تخطَّ إلى المحتوى
التجويد

أساسيات التجويد: ابدأ من مخارج الحروف

قبل أحكام المدّ والغنّة، يأتي إتقان مخارج الحروف. دليل مبسّط لأهمّ المخارج وكيف تدرّب لسانك عليها.

التجويد5 دقائق قراءة

علم التجويد بنيانٌ متكامل، وأساسه الذي تُبنى عليه كل الأحكام هو إخراج كل حرفٍ من مخرجه الصحيح وإعطاؤه صفته المستحقة. قال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4]، وأول الترتيل تصحيح الحروف. فلا فائدة من إتقان أحكام المدّ والإدغام إذا كان الحرف نفسه يخرج خاطئًا؛ فالأصل قبل الفرع، ومن استقامت حروفه هان عليه ما بعدها. في هذا الدليل نتعرف على المخارج الرئيسة وكيف ندرّب اللسان عليها تدريبًا عمليًا.

لماذا نبدأ بالمخارج قبل الأحكام؟

لأن الحرف هو لبنة التلاوة الأولى؛ فإذا اختلّ خرج الكلام عن هيئته التي أُنزل بها، وربما تغيّر المعنى: فمن نطق القاف كافًا أو الطاء تاءً أو الذال زايًا فقد أبدل حرفًا بحرف. ولهذا قدّم علماء التجويد باب المخارج والصفات على سائر الأبواب، وجعلوه شرطًا لما بعده؛ إذ كيف يُطبَّق حكم الإخفاء أو الإدغام على حرفٍ لم يستقم أصل نطقه؟

وقد نصّ الإمام ابن الجزري رحمه الله في مقدمته المشهورة على أن الأخذ بالتجويد لازم، وأن ضبطه إنما يكون بالتدريب: فليس بين المرء وبين إتقانه إلا رياضةُ لسانٍ وتكرارُ محاكاةٍ لمن أتقن. فالمخارج ليست معلوماتٍ تُحفظ في الذهن فحسب، بل مهارةٌ عضليةٌ تُكتسب بالمران، كما يتعلم الخطاط تحرير الحرف بيده.

المخارج العامة الخمسة

مخارج الحروف العامة خمسة، تتفرع عنها المخارج الخاصة على المشهور من مذهب ابن الجزري:

  • الجوف: خلاء الفم والحلق، وتخرج منه حروف المد الثلاثة: الألف الساكنة المفتوح ما قبلها، والواو الساكنة المضموم ما قبلها، والياء الساكنة المكسور ما قبلها.
  • الحلق: وفيه ثلاثة مخارج لستة أحرف: الهمزة والهاء من أقصاه، والعين والحاء من وسطه، والغين والخاء من أدناه.
  • اللسان: أوسع المخارج وأكثرها حروفًا، إذ يخرج منه نحو ثمانية عشر حرفًا تتوزع على أقصاه ووسطه وحافته وطرفه.
  • الشفتان: تخرج منهما الفاء من بطن الشفة السفلى مع أطراف الثنايا العليا، والباء والميم والواو غير المدية من بين الشفتين.
  • الخيشوم: أعلى الأنف، ومنه تخرج الغنّة التي تصاحب النون والميم في أحوالهما.

وأولى هذه المخارج بالعناية عند المبتدئ اللسانُ والحلق؛ لأن أكثر أخطاء النطق الشائعة تقع فيهما، ولأن حروفهما متجاورةٌ يسهل الخلط بينها على من لم يتلقَّ عن متقن.

واعلم أن المخرج لا ينفكّ عن الصفة؛ فقد يشترك حرفان في المخرج ويفترقان بالصفات، كالطاء والتاء والدال من مخرجٍ واحد، والفارق بينها الإطباقُ والاستعلاء والهمس والجهر. ولذلك يذكر العلماء الصفات اللازمة للحرف مقترنةً بمخرجه: كالهمس والجهر، والشدة والرخاوة، والاستعلاء والاستفال، والقلقلة. فإذا ضبطتَ مخرج الحرف فأتبِعه بضبط صفاته حتى تكتمل صورته الصوتية الصحيحة كما تلقّتها الأمة.

ابدأ التدريب بحروف الحلق

ابدأ تدريبك بحروف الحلق الستة المتدرجة، فهي أوضح المخارج إحساسًا: الهمزة والهاء من أقصى الحلق مما يلي الصدر، والعين والحاء من وسطه، والغين والخاء من أدناه مما يلي الفم. وطريقة الإحساس بالمخرج أن تنطق الحرف ساكنًا مسبوقًا بهمزةٍ مفتوحة: أَءْ، أَهْ، أَعْ، أَحْ، أَغْ، أَخْ؛ فإن سكون الحرف يجرّده من حركته ويُظهر موضع خروجه بوضوح.

كرّر هذا التمرين ببطءٍ شديد، وضع يدك على حلقك لتستشعر تدرّج المواضع من الأقصى إلى الأدنى، ثم انتقل إلى نطق كل حرفٍ متحركًا بالفتح والضم والكسر. ولا تستعجل؛ فأسبوعٌ كامل على حروف الحلق وحدها استثمارٌ رابح، لأنها مفتاح الإحساس بسائر المخارج.

ثم انتقل بالطريقة نفسها إلى حروف اللسان مبتدئًا بأقصاه: القاف ثم الكاف، ثم وسطِه، ثم طرفِه مع مجموعاته الثلاث المتجاورة: الطاء والدال والتاء، ثم الصاد والسين والزاي، ثم الظاء والذال والثاء. واختم بحروف الشفتين، وتحسَّس عند كل حرفٍ موضع اعتماد اللسان أو الشفة حتى يصير لكل حرفٍ في حسّك عنوانٌ معلوم.

أشهر الأخطاء والخلط بين المتقاربات

أكثر ما يقع فيه المبتدئون الخلطُ بين الحروف المتقاربة مخرجًا أو صفة، ومن أشهر ذلك:

  • الحاء والهاء: فتسمع «الهمد لله» بدل «الحمد لله» عند من لم يضبط وسط الحلق.
  • القاف والكاف: فالقاف من أقصى اللسان مع ما فوقه من الحنك مستعليةٌ مفخّمة، والكاف دونها مستفلة.
  • الضاد والظاء: الضاد من حافة اللسان مع الأضراس، والظاء من طرفه مع أطراف الثنايا العليا، وهما أدقّ ثنائيةٍ في الباب.
  • الذال والزاي، والثاء والسين: فحروف اللثة تخرج بإظهار طرف اللسان بين الثنايا، بخلاف الأسلية.
  • الطاء والتاء: مخرجهما واحد لكن الطاء مطبقةٌ مفخمة والتاء مرققةٌ مهموسة.

والعلاج المجرّب لهذا كله: النطق البطيء المتأني مع مراقبة موضع اللسان والشفتين أمام مرآة، والمقارنة الصوتية بين الحرفين المتقاربين في كلمتين متشابهتين، ثم العرض على معلمٍ متقنٍ يصحح لك السمعَ قبل اللسان؛ فمن لم يميّز الخطأ بأذنه لن يصححه بلسانه.

المشافهة لا يغني عنها كتاب

لا تكتفِ بالقراءة من الكتب مهما جادت؛ فالتجويد علمٌ يُؤخذ بالمشافهة والتلقي عن أهله جيلًا عن جيل، لأن كثيرًا من دقائق الصفات كالاستطالة والقلقلة والتفشي لا تُضبط إلا بالسماع والمحاكاة المباشرة. وهكذا وصل إلينا القرآن: تلقّاه الصحابة من فم النبي صلى الله عليه وسلم، وتلقّاه عنهم التابعون، سلسلةً متصلةً إلى يومنا.

وسائل عملية معينة

سجّل صوتك وأنت تقرأ ثم استمع إليه ناقدًا، وقارنه بتلاوة قارئٍ متقنٍ يرتّل ترتيلًا متأنيًا يُبرز المخارج، وأعد المقطع حتى يتقارب الأداءان. واحرص على مجلس تلقٍّ منتظم ولو مرةً في الأسبوع تعرض فيه على شيخٍ مجاز؛ فدقائق يسيرة من التصحيح المباشر تختصر عليك شهورًا من المحاولة المنفردة.

اجعل هدفك في البداية سلامة النطق لا سرعة القراءة ولا كثرة الختمات؛ فإذا استقامت الحروف على لسانك صافيةً واضحة، صار تطبيق بقية الأحكام أمرًا يسيرًا لأنها مبنيةٌ عليها. الإتقان رحلةٌ طويلة تحتاج صبرًا ونفَسًا هادئًا، لكن كل حرفٍ تصححه اليوم أجرٌ يدوم وأساسٌ يبقى، وأنت فيه على درب قوله صلى الله عليه وسلم: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة» (متفق عليه). نسأل الله أن يجعلنا من أهل الإتقان.

العودة إلى المدوّنة