تخطَّ إلى المحتوى
نصائح

آداب حامل القرآن: ماذا بعد الحفظ؟

الحفظ بداية الطريق لا نهايته؛ جولة في آداب حامل القرآن كما رسمها العلماء: الإخلاص، والعمل، والتعاهد، والتواضع، وحسن الخلق.

نصائح5 دقائق قراءة

يوم يُتم الطالب حفظ كتاب الله يظن بعض الناس أن الرحلة انتهت، والحق أن أعظمها بدأ للتو؛ فالحفظ تحميل للأمانة، وما بعده حملٌ لها. ولهذا أفرد العلماء لهذا الباب مصنفات مستقلة، أشهرها كتاب الإمام الآجري «أخلاق حملة القرآن» وكتاب الإمام النووي «التبيان في آداب حملة القرآن»؛ لأنهم رأوا أن حامل القرآن يحمل مقامًا يفرض عليه آدابًا مع ربه ومع كتابه ومع الناس. فما هذه الآداب؟ وهي آداب لا تُحفظ حفظ المتون، وإنما تُتشرَّب بالصحبة والمجاهدة وطول التعاهد، غير أن معرفتها أول الطريق إليها.

الإخلاص أول الطريق وآخره

أول ما يوصي به العلماء حاملَ القرآن أن يخلص لله في حفظه وتلاوته وإقرائه، فلا يطلب به دنيا ولا ثناء ولا صدارة مجلس. فالقرآن أشرف الكلام، ولا يليق أن يُتخذ سلمًا إلى حظوظ النفس. وميزان الإخلاص أن يستوي عندك تسميعك في زحمة الاحتفال وتلاوتك وحدك في جوف الليل؛ فمن كان قرآنه في السر أكثر منه في العلن فليحمد الله على علامة صدق.

وليجدد الحامل نيته كلما أحس من قلبه ميلًا إلى رياء أو سمعة؛ فالنية تتقلب، وتجديدها عبادة مستمرة لا تنقضي. وقد كان السلف — مع علو كعبهم — يخافون على أنفسهم من هذا الباب أشد الخوف، فما أحوجنا نحن إلى هذا الخوف الصادق الذي يحرس العمل من أن يحبط وصاحبه لا يشعر.

أن يُرى أثر القرآن في العمل

مدار وصايا الآجري ومن بعده على معنى واحد: أن حامل القرآن يُعرف بقرآنه قبل أن يُعرف بحفظه — يُعرف بورعه عن الحرام، وكفه عن فضول الكلام، وصدقه في المعاملة، وحلمه عند الغضب. فالقرآن حجة لك أو عليك، وقد قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44].

وأقبح ما يكون التناقض ممن يحمل الكتاب: يتلو آيات الصدق ويكذب، ويقرأ النهي عن الغيبة ويغتاب. وليس المطلوب العصمة — فكلنا ذو خطأ — وإنما المطلوب أن يكون القرآن رقيبًا حاضرًا في القلب، يردّ صاحبه سريعًا كلما زلّ.

وليتفقد الحامل لسانه خاصة؛ فاللسان الذي يجري عليه كلام الله أولى الألسنة بالصون عن الكذب والغيبة والفحش وكثرة الجدال. وكم يقبح أن يتلو اللسان الواحد في الساعة الواحدة آيات الله ثم يخوض فيما حرم الله!

تعاهد الورد وحق التلاوة

من أوكد آداب الحامل ألا يهجر محفوظه؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصّيًا من الإبل في عُقُلها» متفق عليه. فليجعل لنفسه وردًا يوميًا لا يفرط فيه، وختمة مراجعة دائرة لا تتوقف، وحظًا من قيام الليل بمحفوظه ولو يسيرًا. وبشارة المتعاهد عظيمة؛ قال صلى الله عليه وسلم: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران» متفق عليه.

ومن جميل ما يوصي به أهل العلم أن يجعل الحامل لنفسه راتبة دائمة مع كتاب الله وراء الورد: قراءة في تفسير ميسر تفتح له المعاني، ومجلس دوري يقرأ فيه على متقن أو يُسمع غيره؛ فحمل القرآن علم يُنمّى ويُتعهد، لا كنز يُدفن ويُنسى.

آداب مع المصحف والتلاوة

ومن الأدب الظاهر: الطهارة لمس المصحف، والسواك وطيب الفم، واستقبال القبلة إن تيسر، والتعوذ عند البدء والبسملة في أوائل السور غير براءة، والترتيل وترك الهذرمة، والتدبر والوقوف عند آيات الوعد والوعيد بالسؤال والاستعاذة.

التواضع وصيانة القرآن عن الابتذال

يوصي العلماء حامل القرآن أن يصون حمله عن وجهين من الابتذال: أن يتكبر به على الناس فيرى نفسه فوقهم، أو أن يجعله مكسبًا يتأكل به ويطلب به حاجات الدنيا من أبواب الناس. فحامل القرآن غني بقرآنه عن التذلل لغير الله، رفيع به عن التعالي على عباد الله. وليكن سمته الوقار بلا تصنع، والبذل بلا منّ: يعلّم من طلب، ويقرئ من رغب، محتسبًا أجره عند الله وحده.

حق الناس على حامل القرآن

حامل القرآن سفير للكتاب بين الناس شاء أم أبى؛ فالناس يزنون القرآن بسلوك أهله قبل أن يفتحوا المصحف. فمن حق الناس عليه بشاشة الوجه، ولين الجانب، وبذل النفع حيث حل: يعلّم الصغير، ويعين المحتاج، ويصلح بين المتخاصمين إن استطاع، ويكون عونًا لأهله وجيرانه في حوائجهم قبل أن يُسأل.

ومن حقهم عليه ألا يجعل حفظه سيفًا مسلطًا على المقصرين؛ فلا يعيّر من لم يحفظ، ولا يزدري عاصيًا فلعله أقرب إلى الله منه بتوبة صادقة. بل يأخذ بيد من دونه برفق كما أخذ معلموه بيده من قبل، ويذكر دائمًا أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.

علامات مختصرة يتفقد بها الحامل نفسه

اجعل هذه المحاسبة اليسيرة جردًا دوريًا لقلبك:

  • هل لي ورد يومي ثابت لم ينقطع منذ شهر؟
  • هل تغير خلقي مع أهلي وجيراني بما يليق بحامل الكتاب؟
  • هل أقرأ للتدبر أحيانًا لا للإنجاز فقط؟
  • هل أعلّم أو أُسمع غيري شيئًا مما حملت؟
  • هل أدعو الله أن يجعل القرآن حجة لي لا علي؟

من وجد خللًا في بند فليرمم بلا جلد للذات؛ فالمقصود سير دائم إلى الله لا كمال مزعوم. وليتخذ لنفسه في ذلك رفيقًا صادقًا من أهل القرآن يذكّره إذا نسي ويقوّمه إذا مال؛ فالمؤمن مرآة أخيه.

فيا من أكرمه الله بحمل كتابه: اعرف قدر ما تحمل، فقد وضع الله في صدرك كلامه. اجعل القرآن ربيع قلبك وإمام سيرك، وتخلق به تكن من أهله الذين هم أهل الله وخاصته. اللهم اجعلنا ممن يحل حلال القرآن ويحرم حرامه، ويعمل بمحكمه ويؤمن بمتشابهه، ويتلوه حق تلاوته، واجعله شافعًا لنا يوم نلقاك.

العودة إلى المدوّنة